عمتي كانت ترقص الكانكان

المقاله تحت باب  قصة قصيرة
في 
22/09/2009 06:00 AM
GMT



الى لولو .. ذكرى دبكة 24 حزيران

بعد نقر موحش من كعبيها العاليين وقفت الشابة الحزينة، كما علموها، في منتصف البقعة الشحيحة الصفراء.  كانت تظن ان اخشاب المسارح اكثر طراوة. شدتها هبة غبارية ارتقت سلم مدخل القاعة الوحيد وتبددت كما تفعل الارواح. شكرتهم بكلمتين مجربة نبرتها المأتمية التي تخيلتها الليلة الماضية. كانوا قد جلسوا، وعددهم سبعة، بتقارب رسمي في الصف الاول بينما البرد يهز اكتافهم.
تذكّر الاول من اليمين كيف وصلت الحقيبة الكبيرة في سيارة همفي عسكرية، وكيف ان جنديا امريكيا قال لهم ان قوات متعددة الجنسيات تشاطرهم حزنهم بفقد راقصة الكانكان، وسلمهم ورقة صغيرة فيها اسم الشابة الحزينة. لا احد من اعضاء نقابة الفنانين كان قد سمع برقصة الكانكان، ورجحوا ان تكون العبارة التي نطق بها الجندي: نشاطركم حزنكم بفقد لاعبة الكونكان.
كان قد مرت اربعون يوما على فتحها الحقيبة. قالت لهم بانها عثرت على 176 مشاركة دولية مصدقة و854 صورة وثائقية مدعومة بأكثر من 350 مقالة نشرتها 75 صحيفة اوربية وعلى زوجين من حذائي رقص. كانت بثوب اسود وجوربين عليهما نقش لامع. صدرها يبدو ضئيلا والإغواء الوحيد الذي فيها ان عمتها راقصة. قالت ان ما توصلت الى فهمه من 67 مقالة مكتوبة باللغة الانكليزية يعطي انطباعا ان وصول الحقيبة الى الموصل يعني ان الامريكان وقعوا في خطأ يجرح المشاعر لكن ما كتبته مجلة ميكسس الالمانية وترجمته لها صديقة انترنيتية منحها حق ان تطالب باقامة هذا التأبين، ليس لانها اكتشفت ان لها عمة ترقص الكانكان ولكن من اجل الا يكون باستطاعة احد القول ان عمتها كانت قحبة.
كان الرجل الثالث، من اليمين، والذي بات يشعر بالحرج، هو اول من فقد الامل في وصول الجثمان من باريس. لقد بذلوا جهدا مضاعفا واستعانوا بمعلومات احصائية وتموينية للوصول الى عنوان صاحبة الحق في استلام الحقيبة، وكانوا قد اعتبروا هذه الجهود البداية الحقيقية لتوطين الثقة بين الفنانين ومتعددة الجنسيات. لم تكن الشابة الحزينة تدرك البؤس الذي كانت عليه غرفة النقابة الملحقة بقاعة مسرح الربيع وعاشت انتظارها في الباحة الامامية، ممارسة توترها باعلى ما في اتكيت الموت من شموخ حتى انها علقت على سياج المسرح الخارجي ثلاث لافتات نعي مزورة مع نسخة بالابيض والاسود للوحة زيتية خيالية رسمها طالب في معهد الفنون كان قد تمكن يوما من مد يده عميقا تحت تنورتها في المكتبة المركزية لجامعة الموصل.
قالت وهي تقف منكمشة وخلفها جدران  بيت يعود لمسرحية قديمة ان هذه الافعال الجريئة لم تكن سوى فن، وتفحصت السقف المنحدر قبل ان تعبر عن دهشتها قائلة انها لن تنتظر من تجارب شبابها أي تنبيه اخر فمفاجأة ان ترث حقيبة هي توجيه حياتي كامل الخشونة. نظرت الى الرجل الثالث من اليمين وهي تقول ان انتظارها للجثمان جعلها عرضة لنصائح كثيرة منها ان من غير اللائق المبالغة في تكريم راقصة شغلها ان تتقن فتح الساقين بطريقة الكانكان. وحكت لهم كيف ان الإعلامية الشهيرة باربرا وولترز كتبت في مذكراتها قصة عمل عمتها في الملهى الشهير الذي يملكه والدها والمعروف باسم لاتين كورتر وذكرت ان البنت التي كانت ترقص الكانكان بطريقة غير مألوفة هاجرت من مدينة الموصل في منتصف الستينيات قاصدة باريس لتصبح في منتصف السبعينيات اشهر من جان بول سارتر. تحركت قليلا الى اليسار حتى صارت في منتصف بقعة الضوء ولمحت قطة تغادر القاعة.
طلبت، وهي منقبضة الوجه، الا يعتبروا حدادها تفويضا عائليا، وتأسفت لان مجلس المحافظة واعضاء الهيئة العامة في نقابة الفنانين لم يساهموا في أي تمثيل عزائي في هذا التأبين. قالت بأنها توقعت من عائلتها انكار هذا الحزن الا انها لا تفهم كيف تقاطع ذاكرة هذا الخشب، الذي  تقف عليه، شيئا عظيما كهذا. تنفست بعمق وتابعت، وهي توشك ان تعطس، بان الراقصة تولد وقلبها اسفنجة، وتساءلت كيف تطفىء مسارح بردواي انوارها مدة دقيقة اسفا على كسر ساق راقصة الكانكان في مارسيليا بينما جثمانها يضيع في الموصل؟.
حمد الرجل الرابع من اليمين ربه لانه اصر بحضور الشابة الحزينة على ان تقوم النقابة بمبادرة اصدار هوية عضوية شرفية للراقصة الفقيدة. اما الرجل الخامس، وهو اكثرهم اناقة، فقد ارتعشت ذاكرته لمشهد في مسرح لانش دون ان ينتبه الى ان ابتسامته مرئية. في تلك اللحظة رفعت الشابة الحزينة ذراعها اليمنى واشارت بإصبع رفيع إلى أضلاع الخشب التي تبطن القاعة، جهة المدخل، وقالت انها تخيلت هذا كثيرا، فظن ستة من الحضور انها تتقمص روح الراقصة، وانها تنطق بلسان الموتى ولكنها عادت الى الواقع سريعا واطلقت جملتها الرقيقة بصوت هش قائلة انها عثرت في الحقيبة على رسائل حب.
كان الولد، كما ذكرت، اسمه موريس. لعب، مدة خمس سنوات، دور شجرة في مسرح اطفال جوال، وهي المدة التي قضتها راقصة الكانكان تشجع حبيبها الاخضر على الا ينظر إلى زميله العصفور بغيرة، وانه حتى اذا ما اعتقد انه الاحق بهذا الدور؛ فانه لن يكون بمقدوره ان يعوض الثبات الذي هو عليه بصفته وطن اعشاش العصافير. كانت تلك الرسائل تعود اليها لان موريس هو الشجرة الوحيدة في فرنسا التي بلا تربة. وكانت دائما ما تكرر له عبارة انها سائرة في طموح ان تعتلي اخشاب كل مسارح العالم كي تستحق شرف ان ترقص رقصتها الكبرى على مسرح الربيع.
اربعة من الحضور اعجبتهم الجملة الاخيرة ولكن الرجل السابع من اليمين اشعل سيجارة وراح يبتسم بشراهة كي يجذب بصر الشابة الحزينة التي تقف في منتصف بقعة ضوء شحيحة وخلفها جدران خشبية مفككة لبيت سكنته المسرحيات. كانت تنظر الى تدرجات المقاعد الفارغة التي كانت تبدو لها سوداء اللون وهي تحاول ان تجد مايبرر قولها ان عمتها كانت ترقص ايضا السويت والجافوت والبولكا والمازوكا ولكنها عادت لتحكي عن موريس الذي ما كان من عمتها الا ان تتورط بعشقه وهو رجل اخضر يسافر كثيرا بحثا عن اطفال يصدقون انه شجرة.
ازدادت شجاعة وقالت انها كثيرا ما اعتقدت ان هناك رجالا على شكل زوارق وطيور. تحمس الرجل الثاني من اليمين وتكلم مع الرجل الثالث فقالت الشابة الحزينة ان عمتها كانت تعبر عن نفسها فقط حين خالفت تصورات مصممة الرقصات الفرنسية ناديج ماروتا وقدمت العرض الصيفي المذهل تحت عنوان جلانزليشتر  على مسرح فريدريك شتاتبالاست في برلين، متخيلة كما قالت في رسالتها التي لم ترسلها الى موريس الشجرة بانها رقصت كما لو انها فصل ربيع.
كان ذلك في عام 2007 . قالت هذا وتحركت خطوة نحو اليسار. كانت منتبهة الى ان الرجل السابع من اليمين كان يخبر الرجل السادس بشيء مهم لذلك قالت بانها ليست متأكدة من ان الجيش الامريكي، وهو يتبنى نقل الجثمان من القاعدة العسكرية في المانيا الى مطار الموصل، على علم بان وزير الثقافة الفرنسي لم يتلق ردا بشأن مراسيم الاستقبال التي على الجانب الموصلي القيام بها وان الحقيبة وصلت اولا بناء على وعد امريكي بحفاوة عسكرية تليق بالجثمان الا ان الفرنسيين قالوا للامريكان في اللحظة الاخيرة ان باريس قررت ان ترقص الكانكان
ستة من الحضور شعروا بالخجل لان بقعة الضوء الشحيحة انطفأت الا انهم سمعوا نقرا ايقاعيا راقصا من كعب حذاء بينما الرجل السابع من اليمين عاد ليؤكد للسادس بانه فتح الحقيبة قبل ان يقع الجميع بالخطأ وانه يعرف حقيقة مافيها.

Nizar_165@yahoo.com